لبنان… حروب تتغيّر عناوينها ولا يتغيّر الثمن
صابرينا نيوز | تحليل ورأي
المقدمة
على مدى عقود، بدا لبنان وكأنه يعيش داخل دائرة لا تنتهي من الحروب والأزمات. تتبدّل السنوات، وتتغيّر الشعارات والتحالفات، وتظهر أسماء جديدة على خطوط المواجهة، لكن النتيجة غالبًا واحدة:
لبنان يدفع الثمن عندما تتحول أرضه إلى ساحة لصراعات تتجاوز حدوده.
من الحرب الأهلية إلى الاجتياحات الإسرائيلية، مرورًا بالوجود السوري، وحرب تموز، والأزمات الأمنية والسياسية المتلاحقة، وصولًا إلى التطورات الإقليمية الأخيرة، بقي السؤال نفسه حاضرًا:
متى يصبح لبنان قادرًا على حماية قراره وسيادته من صراعات الآخرين؟
من الحرب الأهلية إلى الاجتياح الإسرائيلي
منذ أواخر السبعينيات، لم تكن الحرب اللبنانية مجرد صراع داخلي منفصل عن محيطه، بل تداخلت فيها الحسابات اللبنانية والفلسطينية والسورية والإسرائيلية، وتحولت البلاد تدريجيًا إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين قوى إقليمية ودولية.
ومع تصاعد المواجهات، دخل لبنان مراحل شديدة التعقيد، وصولًا إلى حرب المئة يوم في بيروت، ثم الاجتياح الإسرائيلي عام 1982.
دخل الجيش الإسرائيلي الأراضي اللبنانية ووصل إلى بيروت، لتجد العاصمة نفسها أمام واحدة من أخطر مراحل تاريخها الحديث: حصار، وقوى لبنانية وفلسطينية مسلحة، ووجود عسكري سوري، وإسرائيل تسعى إلى فرض واقع أمني وسياسي جديد.
لم تكن حرب 1982 مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت محطة مفصلية أعادت رسم جزء كبير من موازين القوى في لبنان والمنطقة.
1988–1990… حرب داخل الحرب
في نهاية الثمانينيات، دخل لبنان مرحلة جديدة مع حرب التحرير وحرب الإلغاء.
هذه المرة، ارتبط الصراع بشكل مباشر بمستقبل الدولة اللبنانية نفسها، وبرزت أسئلة مصيرية لا تزال حاضرة في النقاش اللبناني حتى اليوم:
من يملك قرار لبنان؟
من يملك السلاح؟
ومن يحدد شكل الدولة؟
انتهت تلك المرحلة باتفاق الطائف، الذي وضع إطارًا لإنهاء الحرب الأهلية وإعادة بناء المؤسسات اللبنانية.
لكن الاتفاق لم يكن قادرًا وحده على محو آثار سنوات طويلة من الانقسام، ولا على إنهاء كل أشكال النفوذ والتدخل الخارجي في لبنان.
2005… خروج سوريا وبداية مرحلة جديدة
شكّل عام 2005 نقطة تحول تاريخية مع الانسحاب السوري من لبنان، بعد سنوات طويلة من الوجود والنفوذ السوري.
لكن خروج الجيش السوري لم يكن نهاية الصراعات والتدخلات.
دخل لبنان مرحلة جديدة اتسمت بالاغتيالات السياسية والانقسام الداخلي الحاد، ثم جاءت حرب تموز 2006 بين حزب الله وإسرائيل لتثبت مرة أخرى أن لبنان يستطيع أن يجد نفسه في قلب مواجهة إقليمية كبرى، حتى في ظل غياب توافق داخلي كامل حول القرار العسكري والسياسي.
وبعدها، جاءت أحداث نهر البارد عام 2007، لتفتح جبهة جديدة، هذه المرة في مواجهة تنظيم فتح الإسلام.
وهكذا، خلال سنوات قليلة، انتقل لبنان من أزمة إلى أخرى، ومن مواجهة إلى أخرى، دون أن يحصل على فرصة حقيقية لالتقاط أنفاسه.
2024–2026… جبهة جديدة في زمن إقليمي مشتعل
اليوم، تبدو المنطقة أمام واحدة من أكثر مراحلها حساسية.
فالحرب بين إسرائيل وحزب الله أعادت الجنوب اللبناني إلى واجهة المواجهة، ومع تصاعد التوترات الإقليمية، أصبح الخوف الأكبر لدى اللبنانيين لا يقتصر على الحرب القائمة، بل يمتد إلى احتمال اتساعها وتحول لبنان مرة أخرى إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
وتبرز هنا مخاوف وسيناريوهات أكثر تعقيدًا تتعلق بالحدود السورية، وإسرائيل، والجيش اللبناني، وحزب الله، إضافة إلى القوى الإقليمية المؤثرة في المشهد السياسي والعسكري.
لكن هذه السيناريوهات تبقى احتمالات وتحليلات سياسية وعسكرية، وليست أحداثًا مؤكدة.
هل تتكرر اللعبة نفسها؟
عند النظر إلى تاريخ لبنان الحديث، يصعب تجاهل نمط متكرر:
توتر إقليمي → انقسام داخلي → تدخل خارجي → مواجهة عسكرية → خسائر لبنانية → تسوية مؤقتة → ثم دورة جديدة.
في كل مرة تتغير أسماء المعارك.
مرة تكون المواجهة مع إسرائيل.
ومرة يكون الصراع مرتبطًا بالوجود السوري.
ومرة تتحول المعركة إلى مواجهة داخلية.
ومرة يصبح لبنان جزءًا من حرب إقليمية أوسع.
لكن القاسم المشترك يبقى واحدًا:
كلما تعددت مراكز القوة والسلاح والقرار، أصبحت الدولة اللبنانية أكثر عرضة لأن تكون الحلقة الأضعف.
تاريخ أكثر تعقيدًا من رواية واحدة
من السهل اختزال تاريخ لبنان بالقول إن «سوريا وإسرائيل كانتا دائمًا ضد لبنان»، لكن هذا التفسير وحده لا يعكس كامل الصورة.
الحرب اللبنانية كانت أكثر تعقيدًا، وشاركت فيها قوى لبنانية وفلسطينية وعربية ودولية متعددة، وتداخلت فيها المصالح الداخلية مع الحسابات الإقليمية والدولية.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن التدخلين السوري والإسرائيلي شكّلا جزءًا أساسيًا من تاريخ الصراع اللبناني، وأن لبنان دفع أثمانًا هائلة نتيجة تحوله المتكرر إلى ساحة لصراعات أكبر من قدرته على التحكم بها.
لبنان ليس ساحة حرب إلى الأبد
المشكلة ليست فقط في معرفة من بدأ الحرب، ولا في تحديد من انتصر في معركة.
المشكلة الأعمق هي أن لبنان، على مدى عقود، لم ينجح بشكل كامل في حماية قراره الوطني من الصراعات التي تتجاوز حدوده.
ولهذا فإن السؤال اليوم ليس:
من سيكون الطرف القادم في الحرب؟
بل السؤال الأهم:
هل يستطيع لبنان أن يمنع الحرب القادمة من أن تُخاض على أرضه؟
فاللبناني الذي عاش حروب السبعينيات والثمانينيات، ثم حرب 2006، ثم أزمات وانفجارات وصراعات متتالية، لا يريد أن يرث أولاده التاريخ نفسه.
قد تتغير الخرائط والتحالفات والأسلحة.
وقد تتغير أسماء الحروب.
لكن هناك شيئًا واحدًا يجب ألا يتغير:
أن يبقى لبنان دولة… لا ساحة.
— صابرينا نيوز | تحليل ورأي