بعد زلزال كولومبيا العنيف.. هل العالم أمام موجة زلازل جديدة؟ العلم يجيب

ماذا بعد زلزال كولومبيا؟ ولماذا نشعر أن الزلازل أصبحت أكثر من السابق؟

صابرينا نيوز – خاص

عاد النشاط الزلزالي إلى الواجهة بقوة بعد الزلزال العنيف الذي ضرب غرب كولومبيا صباح الاثنين 10 أغسطس/آب 2026، وبلغت قوته 7.4 درجات، وفق البيانات الزلزالية المتداولة، فيما حُدد مركزه قرب سان خوسيه ديل بالمار في إقليم تشوكو.

الزلزال تسبب بدمار واسع وسقوط ضحايا، وأعقبته هزات أخرى، بينما واصلت فرق الإنقاذ البحث بين الأنقاض وتقييم الأضرار. وأعاد الحدث إلى الواجهة سؤالًا يتكرر كلما ضرب زلزال قوي منطقة جديدة:

هل أصبحت الأرض أكثر نشاطًا فعلًا؟ وهل يمكن أن يكون زلزال كولومبيا مقدمة لزلازل أكبر في أماكن أخرى من العالم؟

ماذا يحدث للأرض بعد زلزال بقوة 7.4؟

رغم الطاقة الهائلة التي يطلقها زلزال بهذا الحجم، فإن ذلك لا يعني أن الكرة الأرضية خرجت عن توازنها أو أن مدارها حول الشمس تغيّر.

ما يحدث على المستوى الجيولوجي هو تحرر مفاجئ للطاقة التي تراكمت داخل الصخور على مدى فترة طويلة نتيجة حركة الصفائح التكتونية. وعندما يتجاوز الضغط قدرة الصخور على مقاومة الانزلاق، يحدث تمزق أو انزلاق مفاجئ على طول صدع، فتنتشر الطاقة على شكل موجات زلزالية.

بعد الزلزال الرئيسي، يمكن أن تستمر المنطقة في تسجيل هزات ارتدادية، وهي ظاهرة طبيعية متوقعة بعد الزلازل الكبيرة، وقد تمتد من ساعات إلى أيام أو أسابيع، وأحيانًا لفترات أطول. وتستخدم الجهات العلمية نماذج إحصائية لتقدير احتمالات حدوث هذه الهزات. (USGS Earthquake Hazards Program⁠)

هل يمكن أن يكون زلزال كولومبيا بداية لسلسلة زلازل حول العالم؟

هنا يجب التفريق بين أمرين.

نعم، الزلازل الكبيرة يمكن أن تعيد توزيع الإجهادات في القشرة الأرضية، وقد تؤثر في صدوع قريبة أو في مناطق مرتبطة جيولوجيًا بالمنطقة المتضررة.

لكن لا يوجد أساس علمي للقول إن زلزال كولومبيا سيؤدي حتمًا إلى زلزال كبير في دولة أخرى مثل لبنان أو تركيا أو مصر أو اليابان.

مجرد وقوع عدة زلازل في أماكن مختلفة خلال فترة زمنية قصيرة لا يعني بالضرورة أنها مرتبطة ببعضها.

فالكرة الأرضية تشهد نشاطًا زلزاليًا مستمرًا، ومعظم الزلازل لا تكون مرتبطة ببعضها بصورة مباشرة.

لماذا نشعر إذًا بأن الزلازل أصبحت أكثر من السابق؟

هذه النقطة تحديدًا تحتاج إلى بعض الهدوء بعيدًا عن العناوين المخيفة.

بحسب هيئة المسح الجيولوجي الأميركية USGS، يتم تحديد موقع نحو 20 ألف زلزال سنويًا، أي ما يقارب 55 زلزالًا يوميًا. وهذا لا يعني أن الأرض تشهد فجأة عددًا غير مسبوق من الزلازل، بل إن جزءًا كبيرًا من هذه الأحداث كان موجودًا دائمًا، لكن قدرتنا على اكتشافه وتسجيله أصبحت أكبر بكثير. (Anadolu Ajansı⁠)

1. تطور أجهزة الرصد

شبكات الرصد الزلزالي أصبحت أكثر انتشارًا ودقة، وأصبح العلماء قادرين على تسجيل هزات صغيرة جدًا ربما لم تكن تُكتشف في الماضي.

وبالتالي، فإن ارتفاع عدد الزلازل التي نراها في التطبيقات والمواقع الإخبارية لا يعني بالضرورة ارتفاع عدد الزلازل التي تحدث فعليًا.

2. سرعة وصول الأخبار

في الماضي، كان يمكن أن يحدث زلزال في دولة بعيدة ولا يسمع به الناس إلا بعد ساعات أو أيام.

أما اليوم، فأي هزة قوية في كولومبيا أو اليابان أو إندونيسيا يمكن أن تصل أخبارها إلى العالم خلال دقائق، مصحوبة بمقاطع فيديو وصور من مكان الحدث.

وهذا يجعل الإنسان يشعر بأن الزلازل تحدث في كل مكان وفي الوقت نفسه.

3. الهزات الارتدادية

بعد الزلازل الكبيرة، من الطبيعي أن تحدث سلسلة من الهزات الارتدادية.

لذلك، عندما نرى عشرات الأخبار عن هزات في المنطقة نفسها خلال ساعات أو أيام، قد يبدو الأمر وكأن هناك “موجة زلزالية” جديدة، بينما يكون جزء كبير منها مرتبطًا بالزلزال الرئيسي نفسه.

4. المصادفة الإحصائية

قد تتجمع عدة زلازل قوية خلال فترة قصيرة، ثم تمر فترات أكثر هدوءًا.

وتؤكد USGS أن الارتفاع أو الانخفاض المؤقت في معدل الزلازل حول العالم يمثل جزءًا من التذبذب الطبيعي في النشاط الزلزالي، ولا يُعتبر بحد ذاته مؤشرًا موثوقًا على أن زلزالًا كبيرًا أصبح وشيكًا. (USGS⁠)

ماذا عن احتمال حدوث زلزال أكبر بعد زلزال كولومبيا؟

هذا هو السؤال الأكثر إثارة للقلق.

علميًا، لا يمكن حاليًا تحديد موعد ومكان الزلزال الكبير القادم بدقة.

كما أن العلماء لا يستطيعون معرفة ما إذا كان زلزال معين هو “هزة تمهيدية” لزلزال أكبر إلا بعد وقوع الزلزال الأكبر؛ فمصطلح “هزة تمهيدية” لا يمكن تأكيده مسبقًا. (USGS⁠)

وفي المقابل، يمكن للعلماء استخدام البيانات التاريخية والجيولوجية والنماذج الاحتمالية لتقدير مخاطر الزلازل والهزات الارتدادية في مناطق معينة.

وهذا فرق مهم جدًا بين التنبؤ وتقدير الاحتمالات.

هل يعني تزامن زلازل كولومبيا مع زلازل أخرى أن العالم أمام حدث أكبر؟

ليس بالضرورة.

قد تحدث زلازل قوية في مناطق مختلفة خلال أيام أو أسابيع متقاربة، لكن التزامن الزمني وحده لا يكفي لإثبات وجود علاقة سببية بينها.

الأرض تحتوي على عدد هائل من الصدوع والصفائح التكتونية النشطة، ولذلك فإن حدوث زلازل متعددة في فترة واحدة ليس أمرًا مستحيلًا أو دليلًا بحد ذاته على اقتراب “زلزال عالمي”.

والأهم أن العلماء لا يتحدثون عن شيء اسمه “زلزال عالمي” بالمعنى الذي ينتشر أحيانًا على وسائل التواصل الاجتماعي.

وماذا بعد زلزال كولومبيا؟

الأرجح علميًا أن التركيز الآن يجب أن يكون على الهزات الارتدادية، تقييم الأضرار، ومراقبة الصدوع في المنطقة المتضررة، وليس على محاولة ربط الزلزال بكل هزة تحدث في مكان آخر من العالم.

فالخطر الحقيقي بعد زلزال كبير لا ينتهي لحظة توقف الاهتزاز الأول؛ إذ يمكن أن تستمر الهزات الارتدادية، وقد تكون بعض المباني التي تضررت في الزلزال الرئيسي أكثر عرضة للانهيار.

ولهذا تصبح عمليات الإخلاء والتقييم الهندسي واتباع تعليمات السلطات المحلية أهم من متابعة الشائعات والتوقعات غير العلمية.

هل الأرض تدخل مرحلة زلزالية استثنائية؟

حتى الآن، لا توجد أدلة علمية كافية للقول إن الأرض دخلت مرحلة عالمية استثنائية من النشاط الزلزالي.

قد تكون هناك فترات نشهد خلالها عددًا ملحوظًا من الزلازل القوية، لكن هذا لا يعني تلقائيًا أن الأرض تستعد لحدث أكبر.

وتشير البيانات العلمية إلى أن النشاط الزلزالي العالمي يتغير طبيعيًا من فترة إلى أخرى، وأن الزيادة المؤقتة لا تعني بالضرورة اقتراب زلزال كبير. (USGS⁠)

الخلاصة

زلزال كولومبيا بقوة 7.4 درجات يذكّر العالم بقوة الطبيعة وبأن الصفائح التكتونية تتحرك باستمرار، لكن لا يوجد حتى الآن ما يسمح علميًا بالقول إن هذا الزلزال يمثل بداية سلسلة عالمية من الزلازل أو أنه ينذر بزلزال ضخم في دولة أخرى.

الزلازل لا يمكن تحديد موعدها مسبقًا بدقة، لكن يمكن الاستعداد لها.

ولهذا فإن الرسالة الأهم بعد كل زلزال قوي ليست: أين سيضرب الزلزال القادم؟

بل:

هل مبانينا آمنة؟ وهل نعرف ماذا نفعل عندما يبدأ الاهتزاز؟

فحجم الزلزال ليس العامل الوحيد الذي يحدد حجم الكارثة؛ فعمقه، وموقعه، وقربه من المدن، وطبيعة التربة، وجودة المباني، وكثافة السكان، كلها عوامل قد تحدد عدد الضحايا وحجم الأضرار.

صابرينا نيوز – خاص

شارك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

15 + 9 =