؟
في كل مرة تظهر فيها تفاصيل جديدة عن جرائم الحرب في سوريا، يعود السؤال نفسه ليطاردنا جميعًا: كيف يستطيع إنسان أن يفعل كل هذا ثم يعود إلى منزله وكأن شيئًا لم يكن؟
الحديث اليوم عاد مجددًا إلى اسم أمجد يوسف، الضابط السابق الذي ارتبط اسمه بمجزرة حي التضامن، ذلك الفيديو الصادم الذي وثّق لحظات إعدام عشرات المدنيين وإلقائهم في حفرة جماعية بدم بارد. لكن الصدمة لا تتوقف عند هذا الحد، فمع التحقيقات الجديدة عاد اسمه ليرتبط أيضًا بقضية الدكتورة رانيا العباسي وأطفالها الستة الذين اختفوا منذ عام 2013.
رانيا العباسي لم تكن مقاتلة، ولم تكن سياسية، ولم تحمل سلاحًا يومًا. كانت طبيبة أسنان ناجحة، وبطلة في لعبة الشطرنج، وأمًا لستة أطفال. جريمتها الوحيدة أنها عاشت في زمن تحوّل فيه الشك إلى تهمة، والإنسان إلى رقم يمكن محوه بسهولة.
في 11 مارس 2013، خرجت رانيا من منزلها مع أطفالها الستة، أكبرهم في الرابعة عشرة من العمر وأصغرهم لم يتجاوز السنتين. خرجوا جميعًا واختفوا. سنوات طويلة مرت، والأمل ظل قائمًا بأن يكون الأطفال في دار رعاية أو لدى عائلة ما، وأن يظهروا يومًا ليحكوا ما حدث.
لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة مما تخيل الجميع.
التقارير والتحقيقات الأخيرة أعادت فتح الجرح، وكشفت خيوطًا تربط أمجد يوسف بهذه القضية المروعة، لتتحول المأساة من مجرد اختفاء غامض إلى احتمال جريمة جماعية جديدة أُضيفت إلى سجل طويل من الانتهاكات.
لكن بعيدًا عن السياسة والقضاء والتحقيقات، يبقى هناك سؤال إنساني مرعب:
كيف كان ينام أمجد يوسف؟
كيف يعود شخص من تنفيذ أو المشاركة في قتل أبرياء، ثم يجلس مع أسرته على مائدة الطعام؟ كيف يضحك مع أصدقائه؟ كيف يشاهد أطفاله يكبرون بينما يعلم أنه حرم أطفالًا آخرين من الحياة؟
التاريخ مليء بأشخاص ارتكبوا فظائع مماثلة. كثير منهم لم يكونوا وحوشًا بالشكل الذي نتخيله في الأفلام. كانوا أناسًا عاديين في مظهرهم الخارجي، لكنهم أقنعوا أنفسهم أن الطاعة أهم من الضمير، وأن الأوامر أعلى من الإنسانية.
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.
فالشر لا يبدأ دائمًا من وحش مخيف، بل أحيانًا من إنسان يقرر أن يتوقف عن الشعور، وأن يعتبر الضحية مجرد رقم أو ملف أو “مهمة” يجب تنفيذها.
قضية رانيا العباسي ليست مجرد قصة عائلة سورية اختفت قبل سنوات، بل تذكير مؤلم بأن هناك أطفالًا كانوا يضحكون ويلعبون ويحلمون بمستقبل طبيعي، ثم اختفوا لأن أحدهم قرر أن حياتهم لا قيمة لها.
وربما يبقى السؤال بلا إجابة حتى آخر العمر:
هل كان أمجد يوسف ينام فعلًا بلا كوابيس؟
أم أن وجوه الأطفال الذين اختفوا كانت تزوره كل ليلة، مهما حاول الهروب منها؟
تحليل صابرينا نيوز
القضايا التي تعود إلى الواجهة بعد سنوات طويلة تثبت أن الحقيقة قد تتأخر، لكنها لا تموت. وما يثير الرعب في قصة رانيا العباسي ليس فقط مصيرها المجهول لسنوات، بل فكرة أن أشخاصًا متورطين في مثل هذه الجرائم كانوا يعيشون حياتهم بشكل طبيعي بينما كانت عائلات الضحايا تنتظر أي خبر. إنها تذكرة قاسية بأن العدالة البطيئة أفضل من غياب العدالة،