- ما بعد علي الطاهر؟ هل نحن أمام تمدد إسرائيلي أم إعادة تموضع؟
خاص – صابرينا نيوز
ما جرى في علي الطاهر لا يمكن قراءته بمعزل عن المشهد الأوسع. فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: ماذا بعد علي الطاهر؟ بل الأهم: إلى أين يمكن أن يصل المسار الميداني إذا قررت إسرائيل الانتقال من تثبيت مواقعها إلى توسيع نطاق تحركها؟
أمام هذا المشهد تبرز فرضيتان رئيسيتان:
الفرضية الأولى: التقدم.
وفق هذا السيناريو، قد تحاول إسرائيل فتح ملف جبل الريحان باعتباره نقطة جديدة في الحسابات الميدانية، بما قد يفتح الطريق أمام واقع أكثر تعقيداً وصولاً إلى مناطق أوسع في اتجاه البقاع الغربي.
إذا تحقق هذا المسار، فلن يكون الحديث حينها عن عملية محدودة فحسب، بل عن محاولة فرض واقع أمني جديد على الأرض، تكون تداعياته أبعد بكثير من حدود النقاط التي تشهد التحرك العسكري.
الفرضية الثانية: التوقف وإعادة التموضع.
في المقابل، قد ترى إسرائيل أن ما تحقق حتى الآن يحقق جزءاً من أهدافها، فتتوقف عند حدود معينة وتعيد تموضعها باتجاه ما جرى تداوله سابقاً تحت مسمى الخط الرمادي، من دون الانتقال إلى مرحلة توسع جغرافي أكبر.
لكن حتى في هذا السيناريو، يبقى السؤال قائماً:
هل سيكون التراجع تراجعاً فعلياً، أم مجرد إعادة انتشار مع الاحتفاظ بأوراق ضغط ميدانية؟
وهنا نصل إلى السؤال الأكبر.
ماذا تريد واشنطن من كل هذا؟
لفهم الاتجاه الإسرائيلي، لا يكفي النظر إلى تل أبيب وحدها. يجب النظر أيضاً إلى واشنطن وطبيعة حساباتها تجاه إيران والمنطقة.
فإذا كانت الولايات المتحدة تتجه إلى مرحلة جديدة من الضغط العسكري على إيران، فإن إضعاف قدرات القوى الحليفة لطهران خارج حدودها قد يصبح جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع.
وفي هذه القراءة، فإن استنزاف قدرات حزب الله، إلى جانب الضغط على الفصائل العراقية، يمكن أن يُفهم باعتباره محاولة لتقليص قدرة إيران على الاستفادة من جبهات إقليمية متعددة في حال اندلاع مواجهة جديدة.
بمعنى آخر:
إذا كانت هناك مواجهة أميركية–إيرانية جديدة يجري التحضير لها أو إبقاء احتمالها قائماً، فإن تفكيك أو إضعاف أدوات الردع الإقليمية لإيران قد يكون عاملاً مهماً في الحسابات الأميركية.
لكن هناك سيناريو آخر لا يقل أهمية.
ماذا لو كانت واشنطن تريد التهدئة؟
إذا كانت الأولوية الأميركية هي احتواء التصعيد والوصول إلى اتفاق أو تسوية سياسية، فإن استمرار التوسع الإسرائيلي يصبح أكثر كلفة سياسياً.
عندها قد يكون السيناريو الأقرب هو تثبيت الواقع الميداني الحالي ومنع انتقال إسرائيل إلى مراحل أعمق.
لكن المشكلة تكمن في طبيعة الحسابات الإسرائيلية نفسها.
فإسرائيل، تاريخياً، لا تتعامل دائماً مع التقدم الميداني باعتباره خطوة مؤقتة يمكن التراجع عنها بسهولة. عندما يتحول موقع ما إلى ورقة أمنية أو تفاوضية، يصبح الاحتفاظ به جزءاً من عملية التفاوض نفسها.
ولهذا فإن احتمال التراجع الكامل لا يبدو بالضرورة السيناريو الأبسط.
الأرجح، في حال الاتجاه نحو التهدئة، أن يكون النقاش حول:
أين تتوقف إسرائيل؟
ما الذي تحتفظ به؟
ما الضمانات؟
وما الذي تحصل عليه في المقابل؟
العمليات أولاً… ثم السياسة
أما على المستوى العملياتي، فهناك نقطة أساسية يجب عدم تجاهلها:
الجيوش لا تتحرك دائماً بهدف احتلال مساحة واسعة.
قد يكون الهدف إنشاء منطقة عازلة، السيطرة على نقطة مرتفعة، قطع مسار، تدمير قدرات محددة، تحسين شروط التفاوض، أو فرض معادلة أمنية جديدة.
لذلك، فإن قراءة أي تقدم جغرافي على أنه مقدمة حتمية لتوسع أكبر قد تكون متسرعة.
وفي المقابل، فإن اعتبار التوقف المؤقت نهاية للعملية قد يكون متسرعاً أيضاً.
المعيار الحقيقي سيكون في طبيعة التحركات التالية:
هل نشهد تعزيزاً للقوات؟
هل تتوسع العمليات باتجاه نقاط جديدة؟
هل يتحول الوجود الميداني إلى مواقع ثابتة؟
هل تظهر ترتيبات سياسية أو تفاوضية موازية؟
أم تبدأ عملية إعادة انتشار وانسحاب تدريجي؟
هذه المؤشرات ستكون أكثر أهمية من التصريحات الإعلامية.
السؤال الأخطر
في النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي:
هل ستتقدم إسرائيل بعد علي الطاهر أم لا؟
بل:
هل نحن أمام عملية محدودة هدفها تعديل قواعد الاشتباك، أم أمام محاولة لإعادة رسم الخريطة الأمنية للمنطقة؟
لأن الفرق بين السيناريوهين كبير جداً.
إذا كان الهدف هو الضغط وتحسين شروط التفاوض، فقد يتوقف المسار عند حدود معينة.
أما إذا كان هناك قرار إقليمي أوسع بإعادة تشكيل موازين القوى قبل أي مواجهة مستقبلية مع إيران، فإن ما نراه اليوم قد لا يكون سوى مرحلة أولى من مسار أطول.
ولهذا، فإن جبل الريحان قد يكون في حال تحوله إلى محور ميداني جديد، اختباراً حقيقياً للاتجاه الذي ستسلكه التطورات.
إما أن تكون الرسالة:
«هنا تتوقف العملية».
أو أن تكون الرسالة:
«ما جرى حتى الآن ليس النهاية».
وبين الرسالتين، يبقى العامل الأميركي هو أحد أهم المفاتيح لفهم ما يمكن أن يحدث لاحقاً.
الميدان سيحسم.
لكن حتى يحسم الميدان اتجاهه، فإن كل الاحتمالات تبقى مفتوحة، وأخطرها أن يتحول التقدم المحدود إلى واقع أمني جديد يصعب التراجع عنه لاحقاً.
خاص – صابرينا نيوز

