رمضان بين الروحانية والاستعراض… هل فقدنا البوصلة؟
مع اقتراب شهر الخير، تتبدّل ملامح الشوارع والبيوت، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما زال رمضان كما عرفناه؟ أم تحوّل إلى موسم ترفيهي وتجاري يغلب عليه الاستعراض أكثر من العبادة؟
في السنوات الأخيرة، تغيّر المشهد. لم يعد المصحف والسبحة في الواجهة بقدر ما أصبحتا جزءًا من ديكور الصورة. تُشترى الفوانيس العصرية من متاجر عالمية، وتُنسّق سجاجيد الصلاة “الفرو” لتكون خلفية مثالية لصور إنستغرام. وبين الإضاءة الدافئة والفلاتر الناعمة، تضيع أحيانًا حرارة الدعاء وبساطة الخشوع.
عزومات… بين الكرم والاستعراض
العزومة الرمضانية كانت يومًا مساحة للمحبة وصلة الرحم. اليوم، تحوّلت لدى البعض إلى ساحة منافسة غير معلنة: خمسة أصناف من اللحوم، وثلاثة أنواع من السلطات، وحلويات تكفي حيًا بأكمله.
ليس الهدف دائمًا إطعام الطعام، بل تجنّب تعليق عابر من “طنط فلانة” بأن الأكل كان قليلًا أو اللحم كان “بيشد”.
وبعد الإفطار؟ يخيّم الصمت، يحضر الريموت، وتغيب الحكايات. ثم تبدأ جملة “أنا تقلّت أوي” التي تفتح الباب لمزيد من القطايف، وكأننا في سباق لا ينتهي مع التخمة.
معركة المطبخ
وما إن تُرفع السفرة حتى تبدأ مأساة أخرى: جبل الصحون.
تلميحات خفيفة تتحول أحيانًا إلى توتر خفي… من سيدخل المطبخ؟ ومن سيتحجج بالصلاة؟
رمضان الذي كان شهر تعاون، يتحول في بعض البيوت إلى اختبار أعصاب.
الخيم الرمضانية… من السحور الهادئ إلى “السواريه”
السحور كان وجبة بسيطة حنونة: فول، زبادي، وملابس بيت مريحة.
اليوم، صارت بعض “الخيم الرمضانية” أشبه بحفلات ليلية بأسماء لامعة مثل “Layalina Nights” و“Vibes Tent”.
مبالغ مرتفعة، “مينيمم تشارج”، دي جي، بين باج غير مريح، ودخان كثيف… والكل مشغول بتصوير “ستوري” تثبت أنه خرج و”اتبسط”.
المفارقة؟ الناس بالكاد يتحدثون مع بعضهم، فالصوت عالٍ، وكلٌّ منشغل بتعديل الفلتر.
انفصام الإعلانات
تجلس الأسرة لمتابعة مسلسل، فيُقطع المشهد بإعلان عن كومباوند فاخر، يليه إعلان لمستشفى خيري يعرض معاناة طفل.
تضادٌ حاد بين البذخ والألم، يربك المشاهد ويحوّل لحظة الصفاء إلى فاصل استهلاكي قاسٍ.
أين الخشوع؟
انتشار التخمة، والسهر المفرط، وضجيج الترفيه؛ كلها عوامل تؤثر على القدرة على أداء صلاة التراويح بخشوع.
فالسكينة تحتاج خفّة في الجسد وصفاء في القلب.
ليس المطلوب تقشّفًا مبالغًا فيه، ولا اعتزالًا للعالم… لكن شيئًا من التوازن.
رمضان… فرصة لاستعادة المعنى
رمضان ليس فانوسًا يغني، ولا خيمة فيها دي جي، ولا مائدة تتباهى بأصنافها.
رمضان حالة روحية، مدرسة أخلاق، وموسم لمراجعة الذات.
هو فرصة لنخفّف الضجيج حولنا، ونقترب أكثر من جوهر الشهر: الرحمة، الصدقة، القرآن، وصلة الرحم الحقيقية.
لسنا ضد الفرح، ولا ضد الجمال، ولا ضد التطور…
لكننا نخشى أن تبتلع المظاهر المعنى، وأن يضيع الجوهر وسط الزحام.
رمضان سيبقى شهر النور…
فهل نعيد له بساطته قبل أن يتحوّل بالكامل إلى موسم استهلاك؟
—
خاص صابرينا نيوز

