ضجّت الأسابيع الماضية بحملة ضخمة من الروايات المتضاربة حول ما سُمّي بـ «بيع الجنوب» أو التخطيط لممر اقتصادي يمتد من الناقورة حتى شبعا، بدعم خليجي – إسرائيلي، وبتسهيل من شخصيات لبنانية رسمية.
لكن بين الاتهامات المتداولة والوقائع على الأرض، تظهر صورة مختلفة تمامًا.
في هذا التحقيق، نعرض ما هو مؤكد، وما هو مشبوه وغير مثبت، للوصول إلى الحقيقة بعيدًا عن المبالغات.
✅ ما هو مؤكد: حملة استيطانية إسرائيلية — لا قرار لبناني
- في نوفمبر 2025، ظهرت حملة فردية من مجموعة استيطانية إسرائيلية تُدعى أوري تسافون، عرضت عبر مواقعها «أراضي وعقارات في جنوب لبنان» للبيع، ودعت مستثمرين للشراء.
- الحملة استخدمت خريطة تُظهر قرى جنوبية ومناطق قريبة من الحدود، مع أسعار مفترضة لقطع الأراضي.
- التحقيقات الصحافية أكدت أن الخريطة قديمة وغير رسمية، وأن المعلومات الواردة فيها «بعيدة عن أي مصدر حكومي أو قانوني».
- تقارير عدة وصفت ما نشرته المجموعة بأنه مبادرة استيطانية منفردة، ضمن حرب نفسية اعتادت عليها إسرائيل، وليس جزءًا من «صفقة» أو «تنسيق» مع الدولة اللبنانية.
⚠️ المؤكد على الأرض: دمار وتهجير بسبب الحرب — وليس بسبب بيع
- تقارير منظمات حقوقية، بينها Amnesty International، أكدت أن القصف الإسرائيلي دمّر آلاف المنازل في القرى الجنوبية خلال الأشهر الأخيرة.
- العديد من القرى الحدودية، مثل كفركلا، العديسة، عين التينة، شهدت تهجيرًا واسعًا للسكان بسبب الاعتداءات العسكرية.
- النزوح الحاصل هو نتيجة مباشرة للحرب، وليس بسبب أي تعويضات أو مشاريع اقتصادية أو اتفاقيات بيع.
- ما حدث هو تشريد قسري للسكان، لا تنازل اختياري عن الأرض.
❓ ما لا يوجد عليه دليل موثوق حتى الآن
- لا توجد أي وثيقة، أو تصريح رسمي، أو اتفاق معلن يشير إلى أن الدولة اللبنانية — أو أي مسؤول فيها — وافق على بيع أراضٍ جنوبية أو تهجير أهالي القرى لأسباب اقتصادية.
- لا جوزف عون ولا نواف سلام ولا الحكومة اللبنانية أصدروا أي موقف يؤكد ارتباطهم بمشروع من هذا النوع.
- كل ما يجري تداوله حول «ممر اقتصادي إسرائيلي – سعودي – إماراتي» أو «تعويضات لأهالي القرى مقابل عدم العودة» يبقى غير مثبت حتى اللحظة.
- التحقيقات الإعلامية أجمعت على أن ما تم ترويجه يدخل ضمن حملة دعائية إسرائيلية، لا مشروع فعلي قائم على الأرض.
🧭 تفكيك المزاعم: أين الخطأ وأين الحقيقة؟
- ✔️ صحيح: ظهرت حملة إسرائيلية تعرض أراضٍ جنوبية للبيع.
- ❌ غير صحيح: وجود صفقة رسمية لبنانية – إسرائيلية – خليجية.
- ✔️ صحيح: بعض القرى مدمرة ومهجّرة.
- ❌ غير صحيح: أن التهجير سببه «مشروع اقتصادي» وليس العدوان.
- ✔️ صحيح: هناك تعبئة إعلامية إسرائيلية تسعى إلى خلق مناخ قبول بهذه الأفكار.
- ❌ غير صحيح: أن لبنان وافق على التخلي عن أراضٍ أو تهجير أهله.
📌 الخلاصة
المزاعم حول «بيع الجنوب» تحمل جزءًا صغيرًا من الحقيقة — وهي وجود حملة إسرائيلية استيطانية — لكن الصورة الكاملة تُظهر أن:
- لا بيع. لا صفقة. لا قرار حكومي.
- هناك حرب، دمار، تهجير… وحملة دعائية إسرائيلية تستغل هذا الواقع.
ما هو ثابت حتى الآن أن الدولة اللبنانية لم توقع شيئًا، وأن ما يُعرض عبر مجموعات إسرائيلية يبقى خارج الإطار الرسمي وغير قابل للتنفيذ قانونيًا أو واقعيًا.
📝 تحليل صابرينا نيوز
المشهد ليس صدفة… إسرائيل تستغل الدمار في الجنوب وتصنع رواية بديلة: «الأرض فارغة… فلنحوّلها إلى مشروع استثماري».
لكن الحقيقة واضحة: الناس لم يخرجوا من قراهم طوعًا، بل تحت القصف، والقرى لم تُترك بسبب المال، بل بسبب الحرب.
حملات «بيع الجنوب» ليست سوى محاولة إعادة تشكيل الوعي، وإقناع الرأي العام بأن التهجير أمر طبيعي ومبرّر وبأنه قابل لأن يتحول إلى فرصة اقتصادية.
إنها اللعبة القديمة:
اقصف… هجّر… ثم قدّم مشروعًا بديلًا على أنقاض الناس.
لكن الجنوب ليس للبيع، وأهله ليسوا شعبًا يمكن شراؤه بتعويضات أو وعود استثمارية.
هذه الأرض عادت بالدم… ولن تخرج إلا بالقوة.

